أحمد بن محمد المقري التلمساني
12
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ما ثمّ إلّا أنفاس تركد وتخبث ، وعلل تنشأ وتحدث ، وزخارف حسن تعاهد ثم تنكث ، وتركيب يطلبه التحليل بدينه ، ويأخذ أثره بعد عينه « 1 » ، وأنس يفقد ، واجتماع كأن لم يعقد ، وفراق إن لم يكن فكأن قد « 2 » : [ الطويل ] ومن سرّه أن لا يرى ما يسوءه * فلا يتّخذ شيئا يخاف له فقدا [ البسيط ] منغّص العيش لا يأوي إلى دعة * من كان ذا بلد أو كان ذا ولد والساكن النفس من لم ترض همّته * سكنى مكان ولم يسكن إلى أحد وقلت وقد مات سكن عزيز عليّ أيام التغرّب بسلا عظم جزعي عليه : [ السريع ] يا قلب ، كم هذا الجوى والخفوت * ذماءك استبق لئلّا يفوت فقال لا حول ولا قول لي * قد كان ما كان فحسبي السكوت فارقني الرشد وفارقته * لمّا تعشّقت بشيء يموت والزمان لا يعتبر ، وحاصله خبر ، والحازم من نظر في العواقب ، نظر المراقب ، وعرف الإضاعة ، ولم يجعل الحلم بضاعة ، إنما الحبّ الحقيقي « 3 » حبّ يصعدك ويرقيك ، ويخلّدك ويبقيك ، ويطعمك ويسقيك ، ويخلصك إلى فئة السعادة ممن « 4 » يشقيك ، ويجعل لك السكون روضا ، ومشرب الحقّ حوضا ، ويجنيك زهر المنى ، ويغنيك عن أهل الفقر والغنى ، ويخضع التيجان لنعلك ، ويجعل الكون متصرّف فعلك ، ليس إلّا الحب ، ثم الوصل والقرب ، ثم الشهود ، ثم البقاء بعد ما اضمحلّ الوجود ، فشفيت الآلام ، وسقط الملام ، وذهبت الأضغاث والأحلام ، واختصر الكلام ، ومحيت الرسوم وخفيت الأعلام ، ولمن الملك اليوم والسلام ، فالحذر الحذر أن يعجل النفس سيرها ، ويفارق القفص طيرها ، وهي بالعرض الفاني متثبطة ، وبناي الثقيل مرتبطة ، وبصحبة الفاني مغتبطة أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ سورة الزمر ، الآية : 56 ، 58 ] وفي ذلك قلت : [ الطويل ]
--> ( 1 ) يضرب المثل : « أثرا بعد عين » لمن يطلب الأشياء بعد فقدان رموزها وذواتها . ( 2 ) « كأن » من أخوات « إن » وتدل على التشبيه ، واسمها وخبرها محذوفين وتقدير الكلام : فكأنه قد حصل . قال النابغة : أخذ الترحل غير أن ركابنا * لما تزل برحالنا وكأن قد ( 3 ) في ب « الحب الحقيق » . ( 4 ) في ب « مما يشقيك » .